علقت مجلة "هورن ريفيو" الإثيوبية على قصف على مواقع تعدين الذهب التقليدية في منطقة جبل العقيدات بولاية نهر النيل السودانية، قرب الحدود المصرية، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 30 شخصًا وإصابة أكثر من 80 آخرين، فيما تشير تقارير سودانية إلى ضلوع الطيران المصري في الحادثة.
وقالت إنه على الرغم من عدم تأكيد مسؤولية مصر عن الهجوم، إلا أن الحادثة وقعت ضمن سياق أوسع من النشاط العسكري المصري المُبلغ عنه في المناطق الحدودية الشمالية للسودان وحولها. ولذا، فإن فهم أهميتها يستلزم وضعها في سياق استراتيجية مصر الإقليمية المتطورة تجاه السودان وحوض النيل الأوسع.
توسع الوجود العسكري المصري في السودان
وأشارت إلى تقارير أفادت بمشاركة طائرات ومسيرات مصرية في عمليات قصف خلال يونيو وأكتوبر ونوفمبر 2025، وفي 9 يناير 2026، استهدفت قوافل أسلحة كانت تتحرك بين قاعدة الكفرة الجوية ودارفور على طول الطرق المستخدمة لإمداد قوات الدعم السريع.
وقالت المجلة إنه تم تصوير هذه العمليات علنًا على أنها جهود لعرقلة تدفق الأسلحة الإماراتية وكبح التدخل الخارجي في الصراع السوداني، إلا أنها عكست أيضًا وجودًا عملياتيًا مصريًا متزايدًا داخل الأراضي السودانية، يتجاوز المخاوف الأمنية الحدودية التقليدية.
وأوضحت أن لمصر تاريحًا طويلاً في المنطقة الحدودية، فقد وثّق عمال مناجم الذهب قرب نقطة التقاء العوينات هجمات شنّتها وحدات من الجيش المصري على ما اعتبروه أراضي سودانية، حيث ورد أن الجنود تدخلوا نيابةً عن شركة تعدين مصرية. وكان عمال المناجم المتورطون في تلك الحوادث دفعوا رسومًا لشركة الموارد المعدنية السودانية، وناشدوا الحكومة السودانية طلبًا للحماية.
تشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن مصر تنظر بشكل متزايد إلى السودان ليس فقط كدولة مجاورة، ولكن كساحة استراتيجية مرتبطة بشكل مباشر بمصالحها الأمنية والجيوسياسية الأوسع.
وفقًا للتقرير، يُوفّر مثلث حلب سياقًا هامًا لفهم نهج مصر، فقد حدّدت اتفاقية الحكم الثنائي بين بريطانيا ومصر لعام 1899 الحدود السياسية عند خط العرض 22، ما جعل حلب جزءًا من السودان. أما الترتيب الإداري لعام 1902 فقد منح مصر سلطة الإدارة المحلية وشؤون القبائل، لكنه لم ينقل السيادة.
وأنشأ مجلس الوزراء المصري شركة شلاتين للثروة المعدنية في نوفمبر 2012 كشركة مساهمة، حيث يمتلك جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة حصة 34% فيها، وذلك لتنظيم وإضفاء الطابع الرسمي على استخراج الذهب بين خطي عرض 22° و24° شمالاً، والتي تشمل مباشرةً مثلث حلب المتنازع عليه. وتتجاوز مساحة المنطقة البحرية المتاخمة للمنطقة مساحة اليابسة نفسها، وتحتوي على موارد طبيعية هامة. ولذلك، أصبحت الاعتبارات الأمنية واستخراج الموارد متداخلة بشكل متزايد في إدارة مصر للمنطقة الحدودية.
وبحسب التقرير، فإن مصر تُؤطّر علنًا انخراطها مع السودان من خلال ثلاثة أهداف: أمن الحدود، ودعم السلطات السودانية المعترف بها دوليًا، وحماية المصالح الثنائية. ويحتوي كل هدف على بعض الحقائق. مع ذلك، لا يُفسّر أيٌّ منها بشكل كامل حجم التدخل المصري أو الأهمية الاستراتيجية التي اكتسبها السودان في الفكر الإقليمي المصري.
أهمية السودان لمصر
أكدت "هورن ريفيو" أن المنطق الأعمق يكمن في حوض النيل؛ إذ احتلت مصر طوال معظم القرن العشرين، موقع هيمنة هيدروسياسية راسخة بفضل ترتيبات الحقبة الاستعمارية. فقد منحت المعاهدة بين مصر وبريطانيا لعام 1929 مصر حق النقض الفعلي للمشاريع في أعالي نهر النيل، بينما خصصت اتفاقية مياه النيل لعام 1959 نحو 55.5 مليار متر مكعب سنوياً لمصر و18.5 مليار متر مكعب للسودان دون الاعتراف بحقوق دول أعالي النهر التي تساهم بأكثر من 85% من التدفق.
وقالت إنه بصفتها دولة ذات سيادة وليست مستعمرة بريطانية، لم تكن إثيوبيا طرفًا في أي من الاتفاقيتين، وقد رفضتهما باستمرار باعتبارهما نتاجًا لنظام استعماري فُرض عليها دون موافقتها. ويستند هذا الرفض إلى مبدأ أساسي في القانون الدولي: لا يجوز للمعاهدات أن تفرض التزامات على أطراف ثالثة دون موافقتها.
وأوضحت المجلة أن افتتاح سد النهضة في سبتمبر 2025 حسم مسألة وجود السد من الناحية المادية، وغير المشهد الاستراتيجي. فقد تحول السؤال الذي يواجه مصر من إمكانية منع بناء السد إلى كيفية تمكّنها من الحفاظ على نفوذها في حوض النيل الذي تتشكل ملامحه بشكل متزايد بفعل القدرات الإثيوبية.
إلى جانب توليد الكهرباء، أشارت المجلة إلى أن سد النهضة يحمل تداعيات جيوسياسية. فهو يتيح لإثيوبيا إمكانية تصدير الطاقة إلى مختلف أنحاء المنطقة، وتعميق التكامل الاقتصادي مع الدول المجاورة، وتحويل البنية التحتية إلى قوة ناعمة ذات نفوذ سياسي. بالنسبة لمصر، لا تقتصر المسألة على المياه فحسب، بل تتعداها إلى إعادة توزيع النفوذ الإقليمي.
وقالت: "يُساعد هذا السياق في فهم علاقة مصر بالقوات المسلحة السودانية. فمنذ اندلاع الحرب الأهلية في السودان، برزت مصر كأحد أهم الداعمين العسكريين والدبلوماسيين للقوات المسلحة السودانية. وقد حدّت هذه العلاقة بشكل كبير من هامش المناورة المتاح للخرطوم في القضايا الإقليمية، لا سيما تلك التي تمس مصالح الأمن القومي المصري".
وأشارت إلى أنه "على الرغم من أن السودان كثيرًا ما ردد موقف القاهرة العلني بشأن سد النهضة، إلا أن الأدلة تشير إلى واقع أكثر تعقيدًا. فالتناقض بين انخراط السودان التقني المبكر مع إثيوبيا وتوافقه العلني اللاحق مع مصر يثير تساؤلات هامة حول مدى استقلالية السياسة المتاحة للإدارة التي تقودها القوات المسلحة السودانية. ويعكس توافق السودان العلني مع مصر بشأن سد النهضة إلى حد كبير موقفًا أشبه بالاحتجاز، وليس قرارًا سياسيًا سياديًا".
وتابعت: "لذا، يُفهم دعم مصر للقوات المسلحة السودانية بشكل أفضل من خلال حساباتها المتعلقة بالنيل، أكثر من أي التزام أوسع تجاه الحكم السوداني. ويبقى السودان الخاضع لسيطرة القوات المسلحة السودانية أقرب شريك متاح للحفاظ على النفوذ المصري في دبلوماسية حوض النيل، في وقت تتعرض فيه نفوذ القاهرة التقليدي لضغوط متزايدة".
مصر تحصل على الذهب المستخرج من الأراضي السودانية
وشددت المجلة على أن "مصلحة مصر في السودان، من خلال التحالف مع القوات المسلحة السودانية ليست استراتيجية فحسب، بل لها بُعد اقتصادي تعمّق خلال الحرب. ويزعم سياسيون سودانيون، في مقابلات مع موقع "سودان بيس تراكر"، أن الذهب المستخرج من الأراضي السودانية، بما في ذلك المناطق الحدودية المتنازع عليها، قد تدفق إلى احتياطيات البنك المركزي المصري طوال فترة النزاع، بينما تستمر الصادرات الزراعية والحيوانية السودانية، التي يُنقل معظمها عبر شركات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية، في دخول السوق المصرية بأسعار متدنية".
وأردفت: "وإذا صحّ ذلك، فهذا يعني أن الحرب نفسها التي شرّدت الملايين ودفعت المدنيين السودانيين إلى مهن محفوفة بالمخاطر كالتعدين الحرفي، قد ولّدت في الوقت نفسه تحويلاً مستمرًا للموارد شمالاً، حيث تتبوأ القاهرة مكانة الراعي السياسي والمستفيد الاقتصادي من استمرار النزاع".
وبحسب المجلة، فإنه "لا يتطلب هذا الوضع أن تكون مصر قد دبّرت الحرب لتستفيد منها. فالسودان الضعيف والمشتت، الذي يعتمد على الدعم العسكري والدبلوماسي المصري لشرعيته الدولية، هو ببساطة في وضع أفضل لقبول شروط اقتصادية غير متكافئة مقارنةً بسودان مستقر ذي سيادة. وينطبق نفس الضغط الذي يحدّ من هامش مناورة الخرطوم بشأن سد النهضة بنفس القوة على شروط الوصول إلى الموارد والتجارة".
وأوضحت: "سواء أكانت هذه العمليات تهدف إلى مكافحة التهريب أم لا، فإنّ الضربات العسكرية، مثل تلك التي استهدفت جبل العقيدات، تُكبّد الإنسان تكاليف إنسانية باهظة تُفاقم هذا الوضع. ففي السودان إبان الحرب، أصبح التنقيب عن الذهب أحدَ الاستراتيجيات القليلة المتاحة لكسب العيش للسكان النازحين؛ ويُفاقم العمل العسكري ضد هذه المواقع من حالة عدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي التي تُنتجها بالفعل العلاقة الاستخراجية الأوسع نطاقًا".
لذا، رأى التقرير أن السؤال المحوري الذي تطرحه سياسة مصر تجاه السودان ليس ما إذا كانت لدى القاهرة مخاوف أمنية مشروعة على طول حدودها الجنوبية، بل ما إذا كانت هذه المخاوف قد أصبحت جزءًا لا يتجزأ من مصلحة أوسع نطاقًا تتمثل في إبقاء السودان تابعًا اقتصاديًا ومقيدًا سياسيًا، في وقتٍ ضيّق فيه سد النهضة بالفعل خيارات مصر في مناطق أخرى من حوض النيل.
وخلصت إلى أنه "إذا كان الأمر كذلك، فإن حرب السودان ليست مجرد أزمة تديرها مصر من الخارج، بل هي علاقةٌ تُبرر للقاهرة، لأسباب هيكلية، عدم رغبتها في ظهور سودان ذي سيادة كاملة واستقرار تام".
https://hornreview.org/2026/06/18/egypts-sudan-intervention-and-the-geopolitics-of-dependency/

